ابن هشام الأنصاري
166
شرح قطر الندى وبل الصدى
القويمة ، وبها جاء التنزيل . قال اللّه تعالى : ما هذا بَشَراً ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ « 1 » . ولإعمالها عندهم ثلاثة شروط : أن يتقدم اسمها على خبرها ؛ وأن لا تقترن بأن الزائدة ؛ ولا خبرها بإلّا ؛ فلهذا أهملت في قولهم في المثل : « ما مسيء من أعتب » لتقدم الخبر ؛ وفي قول الشاعر : « [ 50 ] » - بني غدانة ؛ ما إن أنتم ذهب * ولا صريف ، ولكن أنتم الخزف لوجود « إن » المذكورة ، وفي قوله تعالى : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ « 2 » وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ « 3 » ، لاقتران خبرها بإلّا . وبنو تميم لا يعملون « ما » شيئا ، ولو استوفت الشروط الثلاثة ؛ فيقولون : ما زيد قائم ، ويقرؤون ما هذا بَشَراً « 4 » .
--> ( 1 ) من الآية 2 من سورة المجادلة . ولم يقرأ بلغة بني تميم الذين يهملون « ما » في القرآن الكريم إلا في قراءات شاذة . ( [ 50 ] ) - لم أقف لهذا البيت على نسبة إلى قائل معين ، وقد أنشده الأشموني ( رقم 211 ) والمؤلف في أوضحه ( رقم 101 ) وفي الشذور ( رقم 90 ) . اللغة : « غدانة » بضم الغين - حي من بني يربوع « صريف » هو الفضة « الخزف » الفخار الذي يعمل من الطين ثم يشوى بالنار . المعنى : يقول : أنتم يا بني غدانة لستم من أفاضل الناس ، وإنما أنتم من أراذلهم . الإعراب : « بني » منادى بحرف نداء محذوف ، وأصله يا بني ، منصوب بالياء نيابة عن الفتحة ؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم ، وبني مضاف ، و « غدانة » مضاف إليه ، مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة ؛ لأنه لا ينصرف للعلمية والتأنيث « ما » نافية « إن » زائدة « أنتم » ضمير منفصل مبتدأ « ذهب » خبر المبتدأ « ولا » الواو حرف عطف ، لا : حرف زائد لتأكيد النفي « صريف » معطوف على ذهب « ولكن » الواو عاطفة ، لكن : حرف استدراك « أنتم » ضمير منفصل مبتدأ « الخزف » خبر المبتدأ . الشاهد فيه : قوله « ما إن أنتم ذهب » حيث أهمل « ما » النافية ، فلم يعملها ، ولو أعملها لنصب بها الخبر ، فقال : « ما إن أنتم ذهبا » وإنما أهملها بسبب وجود « إن » الزائدة بعدها ، وفي البيت رواية بالنصب على الإعمال « ما إن أنتم ذهبا » ؛ ولكن العلماء المحققين قرروا في مثل هذه الحالة أنه ينبغي أن تقدر « إن » حينئذ نافية مؤكدة للنفي المستفاد من « ما » لا زائدة ، ولا نافية لنفي ما فيصير الكلام إثباتا ؛ لأن نفي النفي إثبات ، فافهم ذلك . ( 2 ) من الآية 144 من سورة آل عمران . ( 3 ) من الآية 50 من سورة القمر . ( 4 ) من الآية 31 من سورة يوسف ، وقد ذكرنا لك أنه لم يقرأ بلغتهم إلا في الشاذ .